الشوكاني
116
فتح القدير
أي لا تدعون غيره بل إياه تخصون بالدعاء ( فيكشف ما تدعون إليه ) أي فيكشف عنكم ما تدعونه إلى كشفه إن شاء أن يكشفه عنكم لا إذا لم يشأ ذلك . قوله ( وتنسون ما تشركون ) أي وتنسون عند أن يأتيكم العذاب ما تشركون به تعالى : أي ما تجعلونه شريكا له من الأصنام ونحوها فلا تدعونها ، ولا ترجون كشف ما بكم منها ، بل تعرضون عنها إعراض الناس . وقال الزجاج : يجوز أن يكون المعنى : وتتركون ما تشركون . قوله ( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ) كلام مبتدأ مسوق لتسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أي ولقد أرسلنا إلى أمم كائنة من قبلك رسلا فكذبوهم ( فأخذناهم بالبأساء والضراء ) أي البؤس والضر وقيل : البأساء المصائب في الأموال ، والضراء المصائب في الأبدان ، وبه قال الأكثر ( لعلهم يتضرعون ) أي يدعون الله بضراعة . مأخوذ من الضراعة وهي الذل ، يقال : ضرع فهو ضارع ، ومنه قول الشاعر : لبيك يزيد ضارع لخصومة * ومختبط مما تطيح الطوائح قوله ( فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ) أي فهلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا لكنهم لم يتضرعوا ، وهذا عتاب لهم على ترك الدعاء في كل الأحوال حتى عند نزول العذاب بهم لشدة تمردهم وغلوهم في الكفر ، ويجوز أن يكون المعنى أنهم تضرعوا عند أن نزل بهم العذاب ، وذلك تضرع ضروري لم يصدر عن إخلاص فهو غير نافع لصاحبه ، والأول أولى كما يدل عليه - ولكن قست قلوبهم - أي صلبت وغلظت ( وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ) أي أغواهم بالتصميم على الكفر والاستمرار على المعاصي . قوله ( فلما نسوا ما ذكروا به ) أي تركوا ما ذكروا به ، أو أعرضوا عما ذكروا به . لأن النسيان لو كان على حقيقته لم يؤاخذوا به . إذ ليس هو من فعلهم . وبه قال ابن عباس وابن جريج وأبو علي الفارسي . والمعنى : أنهم لما تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من البأساء والضراء وأعرضوا عن ذلك ( فتحنا عليهم أبواب كل شئ ) أي لما نسوا ما ذكروا به استدرجناهم بفتح أبواب كل نوع من أنواع الخير عليهم ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا ) من الخير على أنواعه فرح بطر وأشر وأعجبوا بذلك وظنوا أنهم إنما أعطوه لكون كفرهم الذي هم عليه حقا وصوابا ( أخذناهم بغتة ) أي فجأة وهم غير مترقبين لذلك والبغتة . الأخذ على غرة من غير تقدمة أمارة ، وهي مصدر في موضع الحال لا يقاس عليها عند سيبويه . قوله ( فإذا هم مبلسون ) المبلس : الحزين الآيس من الخير لشدة ما نزل به من سوء الحال ، ومن ذلك اشتق اسم إبليس ، يقال أبلس الرجل إذا سكت ، وأبلست الناقة إذا لم ترع . قال العجاج : صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم أعرفه وأبلسا أي تحير لهول ما رأى ، والمعنى : فإذا هم محزونون متحيرون آيسون من الفرح . قوله ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا ) الدابر الآخر ، يقال دبر القوم يدبرهم دبرا : إذا كان آخرهم في المجئ ، والمعنى : أنه قطع آخرهم : أي استؤصلوا جميعا حتى آخرهم . قال قطرب : يعني أنهم استؤصلوا وأهلكوا . قال أمية بن أبي الصلت : فأهلكوا بعذاب حص دابرهم * فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا ومنه التدبير لأنه أحكام عواقب الأمور . قوله ( والحمد لله رب العالمين ) أي على هلاكهم . وفيه تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه سبحانه عند نزول النعم التي من أجلها هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون فإنهم أشد على عباد الله من كل شديد . اللهم أرح عبادك المؤمنين من ظلم الظالمين واقطع دابرهم وأبدلهم بالعدل الشامل لهم وقد أخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله ( فأخذناهم بالبأساء والضراء ) قال : خوف السلطان وغلاء السعر . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( فلما نسوا ما ذكروا به ) قال :